ابن تيمية
18
مجموعة الرسائل والمسائل
فصل وأما صاحبه الصدر الفخر الرومي فإنه لا يقول أن الوجود زائد على الماهية ، فإنه كان أدخل في النظر والكلام من شيخه ، لكنه أكفر وأقل علماً وإيماناً ، وأقل معرفة بالإسلام وكلام المشايخ . ولما كان مذهبهم كفراً كان كل من حذق فيه كان أكفر ، فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم وعنده أن الله هو الوجود ولا بد من فرق بين هذا وهذا ، فرق بين المطلق والمعين ، فعنده أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتعين ولا يتميز ، وأنه إذا تعين وتميز فهو الحق سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها . وهذا القول قد صرح فيه بالكفر أكثر من الأول ، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة ، وإن كان الأول أفسد من جهة تفرقته بين وجود الأشياء وثبوتها ، وذلك أنه على القول لأول يمكن أن يجعل للحق وجوداً خارجاً عن أعيان الممكنات ، وأنه فاض عليها فيكون فيه اعتراف بوجود الرب القائم بنفسه الغني عن خلقه ، وإن كان فيه كفر من جهة أنه جعل المخلوق هو الخالق ، والمربوب هو الرب ، بل لم يثبت خلقاً أصلاً ومع هذا فما رأيته صرح بوجود الرب متميزاً عن الوجود القائم بأعيان الممكنات . وأما هذا فقد صرح بأنه ما ثم سوى الوجود المطلق الساري في الموجودات المعينة . والمطلق ليس له وجود مطلق ، فما في الخارج جسم مطلق بشرط الإطلاق ، ولا إنسان مطلق ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق ، بل لا يوجد إلا في شيء معين والحقائق لها ثلاث اعتبارات : اعتبار العموم ، والخصوص ، والإطلاق ، فإذا قلنا : حيوان عام أو إنسان عام ، أو جسم عام ، ووجود عام ، فهذا لا يكون إلا في العلم واللسان ، وأما الخارج عن ذلك فما ثم شيء موجود في الخارج يعم شيئين ، ولهذا كان العموم من عوارض صفات الحي فيقال : علم عام ، وإرادة عامة ، وغضب عام ، وخبر عام ، وأمر عام ، ويوصف صاحب الصفة بالعموم أيضاً كما في الحديث الذي